نزار قباني دبلوماسي و شاعر عربي. ولد في
دمشق (سوريا) عام 1923 من عائلة دمشقية عريقة هي أسرة قباني ، حصل على البكالوريا من
مدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق ، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وتخرّج
فيها عام 1945 . ( موقع نزاريات) .
سئمت الإنتظار .. و لعبتي مع النار ..
و لم تبقى سوى دقائق خمس .. و تغرب عن سما حبنا الشمس .
هذه كانت أول قصيدة جعلتني مقيداً لسلطان الكلمة و عذب الألفاظ نزار ، قد يختلف معي الكثير على هذا (المسكين)
الذي لقي ما لقي بحياته و حتى بعد وفاته ، لكلماته عذوبة و لألفاظه سلاسة ، تشعر
عندما تقرأ له أن الكلمات تنحني أمامه ليسيرها كما يشاء و كيف ما شاء ، أفكاره
كنسيم الصبح هادئة في هيئتها و رهيبة في
إحساسها .
نزار كما هو معروف شاعر غزلي و لذلك سمي (شاعر المرأة ) و لكن هناك
جانب آخر برع فيه هو الشعر السياسي و في كلا الحالتين أجادهما .
سأبدأ مع الشعر الغزلي الذي لو ألفت كتباً لن تفئ و لن تنصف نزار في هذا الجانب لكن عل كلماتي الخارجة من صميم قلبي أن تنبش على إستحياء ما كتبه سلطان الكلمة ، فبكلماته يشعرك أنك عاشق و متيم و لو لم تكن
كذلك ، و أنك تعيش داخل شهريار و بتفكير روميو و لكن لشخصيته الغزلية تقلبات
فتارة يعشق بجنون ( صباحك سكر ) و أحيانا يحب بشغف ( أحبيني ) و لحظات يملك كبرياء
النفس ( طائشة الضفائر ) ، بين هذا و ذاك تجد نفسك أمام موسوعة للعشق بكافة أنواعه
مع كامل الإحترام (لمجنون ليلى) الذي لم يبرع سوى
بمدح ليلى هنا و هناك و البكاء عليها و حبها و كأنها ملائكية معصومة ( أنا
هنا لست من منظور أدبي أو نقدي لكن أتكلم كمتذوق ) فالشعر إذا كان على وتيرة واحدة
ممل ، فنزار ينتهي إليه الغزل كله و ينحني أمامه الحب نفسه ..
ما هو تعريف الحب ؟! .. عند أهل اللغة و عند المفسرين لكلماتها يأتوك بكلام يستأصل (مرارتك) من ثقله و من صعوبته ، أما السلطان نزار فقد عرّفه بسلاسة و عفوية متناهيه و رغم بساطتها إلا أنهم (أهل اللغة ) لو إجتمعوا كلهم لم يأتو بمصطلح واحد مما عرفة فقد قال :
الحب ليس روايةً شرقيةً
بختامها يتزوج الأبطال
لكنه الإبحار دون سفينةٍ
وشعورنا ان الوصول محال
هو أن تظل على الأصابع رعشةٌ
وعلى الشفاه المطبقات سؤال
هو جدول الأحزان في أعماقنا
تنمو كروم حوله .. وغلال..
هو هذه الأزمات تسحقنا معاً ..
فنموت نحن .. وتزهر الآمال
هو أن نثور لأي شيءٍ تافهٍ
هو يأسنا .. هو شكنا القتال
هو هذه الكف التي تغتالنا
ونقبل الكف التي تغتال
ماذا عساي أن أقول !! .. لله درك يا نزار
سأرد عليك بكلامك ..
فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً
فالصمت في حرم الجمال جمال
كلماتنا في الحب .. تقتل حبنا
إن الحروف تموت حين تقال..
سأصمت لأنني أعجز عن وصف هذا العاشق (المجنون) ، فقد أوجب الصمت على من يقرأ له ..
الشعر
السياسي .. لا أنكر أنه أثر بتفكيري كثيرا من هذا الجانب و هدم الصومعة التي بنتها
المناهج المدرسية لدينا و فضح الشعارات الوهمية التي يدعيها الحكام العرب (كتب التاريخ لا تعني لنا شيئاً وأخبار عليٍ .. ويزيدٍ .. أتعبتنا ...) ، لم يكن مخطئا في هذا فهو يملك خبرة
سياسية لا يستهان بها . علمني نزار أن الحكام يريدون السلطة و المال و الجنس فقط .
هـذي البـلاد شـقـةٌ مفـروشـةٌ ، يملكها شخصٌ يسمى عنتره
يسـكر طوال الليل عنـد بابهـا ، و يجمع الإيجـار من سكـانهـا
و يطلب الزواج من نسـوانهـا ، و يطلق النـار على الأشجـار
، و أن الشعب مطبل لهم و معين لمطامعهم و أن
مصطلح ( مواطن ) حذف عمدا من القاموس
العربي لم يلقي نزار اللوم على الحكام وحدهم بل لام الشعب الذي يحمل المهانة و
لازال يتغنى بالعرق القبلي و العنصرية الممقوتة و سياسة ابو جهل ( كما وصفه ) ..
و من
المحيط إلى الخليج قبائل .. بطرت فلا فكر و لا آداب
و على مر قصائد نزار لم يمدح أو يطبل لحاكم عربي واحد سوى جمال
عبدالناصر لأنه أخذ الحكم برأي الجمهور بعد ثورة 1952 م و لأنه وقف معه ضد التيارات التي كانت تريد منع
نزار من نشر دواوينه (قصيدة خبز و حشيش و قمر بالتحديد ) في مصر عندما كان
بالملحقية السورية بالقاهرة آنذاك .
علمني نزار أنا تاريخنا خدعه و أنه مخدر لنا لا أكثر و ان نهايته
بنهاية الإمبراطورية الأموية ( و إن كنت
أختلف معه في هذا فنزار كان يميل لبني
أميه لأنهم أسسوا دولتهم بالشام و دمشق خاصة.. هذا ما دار بفكري )
يا شـام، أيـن هما عـينا معاويةٍ وأيـن
من زحموا بالمنكـب الشهبا
فلا خيـول بني حمـدان راقصـةٌ زهــواً... ولا المتنبي مالئٌ حـلبا
وقبـر خالد في حـمصٍ نلامسـه فـيرجف
القبـر من زواره غـضبا
يا رب حـيٍ.. رخام القبر مسكنـه ورب ميتٍ.. على أقدامـه انتصـبا
يا ابن الوليـد.. ألا سيـفٌ تؤجره؟ فكل أسيافنا قد أصبحـت خشـبا .
و أن واقعنا أليم و مخزي يعتمد على النفط فقط ( قصيدته ..هجم النفط
كذئب علينا ) , و على التزلف و التطبيل لمن لا يستحقون و أن من يفعلون ذلك هم من
يعيشون حياتهم ..
ياتونس الخضراء هذا عالم .. يثري به الأمي و النصاب
نزار صريحا و اضحا في كلامه السياسي لا يخشى أحد و لا يستعمل التورية
و الألفاظ الشفافة للهرب من مأزق السياسة كما فعل شوقي و فاروق جويدة و محمود
درويش , و على الرغم من قسوته على العرب إلا أنه أكثر من أحس بهم و
بلوعتهم و مؤاساتهم .
فإذا صرخت بوجه من أحببتهم
فلكِ يعيش الحب والأحباب
وإذا قسوة على العروبة مرة
فلقد تضيق بكحلها الأهداب
فلربما تجد العروبة نفسها
ويضئ في قلب الظلام شهاب
ولقد تطير من العقال حمامة
ومن العباءة تطلع الأعشاب ..
و قفة :
على الرغم من أفكاره التي عاداها البعض و كرهها الآخر إلا أنه من أفضل
شعراء هذا العصر فهو حصل على ما حصل و هو محارب و ممنوعة دواوينه فكيف لو تركوه !!
إن الجنون وراء نصف قصائدي
أوليس في بعض الجنون صواب؟
عن نفسي .. لا زلت أحمل فكر نزار السياسي و الكره العربي خاصة و أن
الدم العربي ملوث لما يملكه تفكير ضحل لا يتعدى شهوته الحيوانية و عقله الجاهلي
(العنصري) ، و أن الحكام العرب جميعا أضحوكة نسجتها لنا (المطالعة) بتأييد من (الوطنية)
لنصدق ما قاله (التاريخ) .. رضي من رضي و أبا من صدق
خاتمه :
قال نزار رحمه الله :
فذنوب شعري كلها مغفورة
والله جل جلاله التواب .