هل تستطيع أن تسأل طائراً لماذا تحلق ؟
أو سمكة لماذا تسبح ؟
هكذا هو تشرين بالنسبة لي ، فمنذ سنوات ليست بالكثيرة لم تكن لي حياة
بل كنت هامشاً على رصيفها . الروتين كان طعامي و التبعية كانت طريقي ، أعيش خواء
روحي كـ جرة أحمل الماء و لا أحيا به .
تشرين هو مائدة باذخة قدّمت لي على بلاط ملكي مغطاة بمفرش أبيض لأبدأ
مصالحة الحياة على نقاء الجسد و صفو الروح . كنت مجتمعاً بتلك المائدة مع من أهدوا
لي حياة جديدة و أفسحوا لي الطريق لرؤية عالماً أجمل و حياة لم أستشعرها قبل ،
كانت المقاعد ست أخذت مكاني المخصص من بينها
في المقابل كان قلبي يتوسط نزار و
حبيبتي ، و بجواري الموسيقى و الكتابة ، إحداهم تحرك الحنين بوترها و أخرى تمسح
على جرحي بقلمها .
من لم يُحب لم يعش بعد .!!
و بتشرين بدأت العيش ، و رأيت وجه الدنيا الذي لم يشرق لأحد دون أن
يتخلص من غله و حقده و يرفع شعار السلام و الحُب .
تشرين أرض الفرح التي لم أولد فيها و سأضل أعيش من أجلها و أناضل من
أجل بقاءها ، فتاريخ ميلادي سأربطه بمعرفتي به و بأولئك الستة الذين جمعني بهم .
تشرين موسم خصب لزرع الأحرف على أوراق الحنين التي لا تسقط بهذا
الخريف المُتساقط ورقاً و مطراً .
تشرين هذه السنة أتى بـ خمسة و نسي واحداً كان على يجلس بمقربة من
نزار و قلبي ، فقررت أن أشي بعلاقتي معه و أقيم مأتم على أيام لن تمحى من ذاكرتي ،
و سألعق جدران الذاكرة كلما ذكرتها ، و سأغرقها دمعاً و توقاً لأيام مضت .
كانت تجلس بجوار نزار على رغم وفائها مع "درويش" ، ذهبتُ
لمصالحة محمود ليَهبَ لي قلبها فعلِقت بـ "جداريته" و واساني بـ " على
هذه الأرض ما يستحق الحياة " و وادعني قائلاً " مازال في الدرب درب
" فامض حيث تجد تشرين .
لم يكن ثمة فكرة غبية تدعني للبوح بعلاقتي هذه إلا خسارتي المتتالية ،
فلم يعد في الأمر شيء حتى أخسره فقررت أن أفرغ ما بجعبتي من أحرف كنت أحسبها
"سراً يمزقني و ليس يقال " و
لكنها باتت مضرجة بدمائها على هذه المدونة أمام مرأى من الجميع ، فكيف أكتب مرة
أخرى على مسرح الجريمة ؟! .. سأكون مشتركاً أكبر في الجريمة إن أكملت الكتابة ،
فقد أكون قتلت ذاكرتي و مشيت بجنازتها و أقتل من شيعها معي ، نعم قتلتها بنفسي و
قتلت نفسي معها أيضاً فلم تبق لي روح بعدها كي تجعلني أستمتع بحياة أخرى أو أتلذذ
بفخامة الحزن و بذخ الدموع التي تهديها لي الحياة كل فترة و كل حين . أيتها الحياة اعزفي أحزانك و تلذذي بتعذيبك
فما أمامك ليس سوى سراب شخص أرهقتِهِ بقسوة شمس أقدارك و أذبتِ فؤاده على صفيح من
العثرات و سوء الطالع .
في تشرين بدأت أعزف بقلمي على مقام نزار ، ذلك المقام الذي يحمل شيء
من حزن الصِبا و تصوف الحجاز لأخترع دوزنة جديدة على نوتة موسيقى الكتابة ، و على
النوتة نفسها قتلت من أحب و لن أغفر لنفسي إن عاودت عزف الكتابة من جديد ، فـ بتشرين
بدأت و بذاته أنتهي .!
إلى هنا سينتهي التدوين ... وداعاً


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق